محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
204
سبل السلام
الحاجة بل يظهر اللدد والكذب لايذاء خصمه ، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر خصمه وكسره ، ومثله من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس إليها ضرورة في التوصل إلى غرضه فهذا هو المذموم ، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة الحجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ، ففعله هذا ليس مذموما ولا حراما لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا . وفي بعض كتب الشافعية أنها ترد شهادة من يكثر الخصومة لأنها تنقص المروءة لا لكونها معصية . باب الترغيب في مكارم الأخلاق 1 - ( عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي ) بفتح حرف المضارعة ( إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا : وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه ) . الصدق ما طابق الواقع ، والكذب ما خالف الواقع ، هذه حقيقتهما عند الجمهور من الهادوية وغيرهم ، والهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب . والبر - بكسر الموحدة - أصله التوسع في فعل الخيرات ، وهو اسم جامع للخيرات كلها ويطلق على العمل الصالح الخالص . وقال ابن بطال على قوله : وإن البر إلى آخره مصداقه قوله تعالى : * ( إن الأبرار لفي نعيم ) * وقال علي : قوله : وما يزال الرجل يصدق إلى آخر المراد يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة وهو الصديق . وأصل الفجور الشق فهو شق الديانة ، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر . وقوله : وما يزال الرجل يكذب هو كما مر في قوله : وما يزال الرجل يصدق في أنه إذا تكرر منه الكذب استحق اسم المبالغة وهو الكذاب . وفي الحديث إشارة إلى أن من تحرى الصدق في أقواله صار له سجية ، ومن تعمد الكذب وتحراه صار له سجية ، وأنه بالتدرب والاكتساب تستمر صفات الخير والشر . الحديث دليل على عظمة شأن الصدق وأنه ينتهي بصاحبه إلى الجنة ، ودليل على عظمة قبح الكذب وأنه ينتهي بصاحبه إلى النار ، وذلك من غير ما لصاحبهما في الدنيا فإن الصدوق مقبول الحديث عند الناس مقبول الشهادة عند الحكام محبوب مرغوب في أحاديثه والكذوب بخلاف هذا كله . 2 - ( وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) قال : إياكم والظن بالنصب محذر منه ، فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه تقدم بيان معناه وأنه تحذير من أن يحقق ما ظنه ، وأما نفس الظن فقد يهجم على القلب فيجب دفعه والاعراض عن العمل عليه